ست العجم بنت النفيس البغدادية

71

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

وأقول : إن موجبه الخوف فقط ، فلا يظن بقوله : ( أشهدني الحق ) أنه أراد بها الصفة التي ذكرها الحق لفظ يطلق على مجموع الوجود ، ومجموع الوجود اسم الهوية وهي تستهلك حقائق الصفات والأسماء المتميزة ، وقد كان الشاهد في حكم هذا الشهود مستودعا في مرآة الوجود الحقيقية التي هي نور على الإطلاق ، وهذا محل الكامل على الحقيقة ، وإن اختلفت محاله التي تقتضي الشهود ، فيكون الاختلاف بحسب اختلاف المظاهر والأسماء والصفات ، فلما كان في هذا الشهود مستودعا في محل التمييز الذي عبّرنا عنه بالمرآة عبّر الشاهد عنه بالنور ، وأراد به محل التمييز ونسبته إلى الوجود لاقترانه به ، فإنه من حين ظهر النور تميزت الموجودات المقيدة ، وهذا النور هو فاتق رتق العماء ، وأراد بهذا الوجود المقيد حيث ذكر النور ، ومن حيث هو محل هذا الشاهد في حال الشهود عبر بالوجود ، لأن محل الشاهد هو المرآة التي ينظر اللّه تعالى فيها صورته على ما يليق بجلاله ، فيحصل الانطباع ، وهو صورة هذا الكامل فهذه المرآة محله على الحقيقة ، وبعد انطباع صورة الكامل تتميز صورة الموجودات ، فلأجل هذا التمييز ، قال : ( بمشهد نور الوجود ) أي : بمحل تميز الوجود ، والإشارة إلى المرآة المعبر عنها بالنور الذي هو نور الوجود . وقوله : ( بمشهد نور الوجود ) يعني : أشهدني نفسه بمحل الشهود اللائق بتمايز الوجود ، لأننا إذا قلنا : موجود ، انتفت عنه صفات العدم ، فكأنه قال : أشهدني صورته في الوجود لا في العدم ، إذ الوجود محل الشهود ، فإن قيل : هل شهد أحد في العدم ؟ قلنا : نعم ، لأن العلم عدم نسبي ، وقد وجد من شهد نفسه في العلم ، لأن الشهود في العلم مخصوص بما وراء الأولية ، والأولية قبل الوجود الظاهر ، وقد قال : بمشهد نور الوجود ، فانتفى أن يكون مخصوصا بالأولية ، لأن الوجود ينطلق على الأسماء الأربعة وعلى ما وراءها ، وعلى أضدادها وأظلاها ، فانتفى أن يكون هاهنا شاهدا في الأولية فقط . وقوله : ( وطلوع نجم العيان ) حيث بدئ بنور الوجود أولا ، لزم منه ذكر العيان ؛ لأن العيان مقتضى الوجود ، وهو مستند إلى الثنوية إذ لابد فيه من معاين ومعاين ، وهو لا يطلق إلا على الوجود المباين للعدم الذي هو الإطلاق ، وهو عدم المقيدات ، فنور الوجود الذي آل به إلى العيان أشد نورانية مما كان عليه في العدم ، لأنه لا معنى لظهوره من العدم إلا شدة النور ، فإنه لما أراد اللّه تعالى الظهور بالوجود ظهر بنور آنية زائدة على نور العدم ، وهي التي رتقت رقوم العماء ، وهي محل هذا الشاهد في حكم هذا الشهود ، وجعلنا